الثلاثة الذين خلفوا
إن الحمد
لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره .
ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات أعمالنا . من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل
فلن تجد له وليا مرشدا .. واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان
محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه .. بلغ الرسالة وأدي الأمانة ونصح الأمة
وكشف الله به الغمة . أما بعد
............
أيها
الأخوة المؤمنون: نكمل معكم سلسلة القصص في سيرة الحبيب المصطفي صلي الله عليه
وسلم .. وكما قلنا من قبل الحديث في
السيرة ليس عبارة عن قصص للتسلية وتضييع الوقت إنما هي للعبر والدروس ،
أيها
الأخوة المؤمنون : تحدثنا في خطب سابقة عن غزوة تبوك وقلنا خرج جميع
المسلمين مع رسول الله (ص) الا أصحاب الاعذار من المرضى والضعفاء ، كما تخلف
المنافقين ، وتخلف أيضا ثلاثة رجال من المؤمنين بدون عذر وهم كعب بن مالك ، ومرارة بن ربيع ، وهلال بن أبي
أمية، ولم يكذبوا أو يخادعوا النبي محمد صلى الله عليه وسلم بشأن تخلفهم، كما كذب
المنافقون وحلفوا كذبا لرسول الله (ص) ، بل اعترفوا بصدق بتخلفهم عن الغزو .
فقصة هؤلاء الثلاثة الذين خلفوا يرويها لنا أحد هؤلاء الثلاثة
الذين خلفوا وهو كعب بن مالك ، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة
غزاها إلا في غزوة تبوك ، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر ولم
يعاتب أحدا تخلف عنها ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يريد
عير قريش ولم يخرج لقتال ، فجمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ، ولقد
شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على
الإسلام ، أما في تبوك لم أكن أقوى ولا
أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة ، وكانت تلك الغزوة التي غزاها رسول الله صلى
الله عليه وسلم في حر شديد و سفر بعيد وعدوا كثير ، فاستعد المسلمون للخروج مع
رسول الله (ص) ، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار ، وتجهز
رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ، فشرعت لكي أتجهز معهم ، ولكن أرجع
ولم أفعل شيئا ، حتى تجهز الناس للخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت
أتجهز بعدهم بيوم أو يومين ثم ألحقهم ، وهممت أن أرتحل فأدركهم ، وليتني فعلت ،
فلم يقدر لي ذلك ، ثم خرجت في الناس (أي في المدينة) بعد خروج رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فطفت فيهم فأحزنني أني لا أرى إلا رجلا ظاهرعليه النفاق أو رجلا ممن
عذر الله من الضعفاء ،
ولما
بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك قال وهو جالس في القوم بتبوك ما
فعل كعب ؟؟ فقال رجل من بني سلمة يا رسول الله حبسه برداه
ونظره في عطفه ((فالمعنى الإجمالي: يا رسول الله،
الذي منعه من الخروج معك هو إعجابه بثيابِه ونظره إلى نفسه إعجابًا وتكبّرًا، أي
انشغاله بالدنيا وزينتها عن الطاعة.)) فقال معاذ بن جبل بئس ما قلت ، والله يا رسول
الله ما علمنا عليه إلا خيرا ، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
فلما
بلغني أن النبى (ص) توجه راجعا الى المدينة ، حضرني همي ، وطفقت أتذكر الكذب وأقول
بماذا أخرج من سخطه غدا ، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي ، فلما قيل إن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قدم الى المدينة ، زاح عني الباطل وعزمت على أنى لا أحدث
رسول الله (ص) بشيء فيه كذب ، وبعد
جلسة الاستراحة نكمل الحديث ... أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم .
الخطبة الثانية
الحمد
لله رب العالمين ، ولا عدوان إلا علي الظالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده
لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله، الصادق الأمين ، صلي الله عليه وعلي آله وصحبه الطيبين الطاهرين ، ومن
تبعهم بإحسان إلي يوم الدين . أما بعد ..
أيها
الاخوة المؤمنون : نكمل معكم قصة الثلاثة الذين خلفوا ...
يقول
كعب : فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد
فيركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك ، جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون
له وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم
وبايعهم واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى الله ، فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم
المغضب ثم قال تعال يا كعب ، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي ما خلفك ؟؟
ألم تكن
قد ابتعت ظهرك (المعنى الم تكن قد اشتريت دابة لتمتطيها في السفر) ، (أي أنه لم
يكن لك عذر شرعي لتخلفك عن الغزو) ، فقلت بلى يا رسول الله ، إني والله لو جلست
عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا ، ولكني
والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ، ولئن
حدثتك حديث صدق تجد علي فيه ، إني لأرجو فيه عفو الله ، والله ما كان لي من عذر ،
والله ما كنت أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
أما هذا فقد صدق ، فقم حتى يقضي الله فيك ، فقمت ومشى خلفى رجال من بني
سلمة فاتبعوني، فقالوا لي والله ما علمناك أنك أذنبت ذنبا قبل هذا ، ولقد
عجزت أن تعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما اعتذر إليه المتخلفون ، قد
كان يكفيك غفران ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك ، فوالله ما زالوا
يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي ، ثم قلت لهم هل حدث مع أحد ما حدث لى ؟؟
قالوا نعم رجلان قالا مثل ما قلت ، فقيل لهما مثل ما قيل لك ، فقلت من هما
قالوا مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي ، فذكروا لي
رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة حسنة ، فمضيت حين ذكروهما لي ، ثم
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا نحن الثلاثة الذين تخلفنا
عنه ، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا ، حتى ضاقت علينا الأرض ، فلبثنا على ذلك خمسين
ليلة ، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأما أنا فكنت أخرج فأشهد
الصلاة مع المسلمين ، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد ، وآتي رسول الله صلى الله
عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ، ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر
، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي ، وإذا التفت نحوه أعرض عني ،
حتى إذا
طال علي ذلك من جفوة الناس ، فمشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة ، وهو
ابن عمي وأحب الناس إلي ، فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام ، فقلت يا أبا
قتادة أنشدك بالله هل تعلم أني أحب الله ورسوله ؟؟ فسكت ، فعدت فنشدته بالله فسكت
، فعدت فنشدته بالله ، فقال الله ورسوله أعلم ، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت
الجدار، فبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا رجل من أهل الشام ممن
قدم بالطعام يبيعه بالمدينة ، يقول من يدلنى على كعب بن مالك ، فأشار له الناس على
، حتى إذا جاءني أعطانى كتابا من ملك غسان (وكان
الغساسنة يدينون بالنصرانية ) ،
فإذا
فيه أما بعد : فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعل لك الله بدار هوان ولا
مضيعة ، فالحق بنا نواسيك (أي اترك الإسلام وانضم الينا ) ، فقلت لما قرأتها وهذا
أيضا من البلاء ، فتيممت بها التنور فسجرته بها ...
حتى إذا
مضت أربعون ليلة إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني ، فقال لى إن رسول
الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك ، فقلت أطلقها أم ماذا أفعل ، قال
بل اعتزلها ولا تقربها ، وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك ، فقلت لامرأتي الحقي بأهلك
فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ، فذهبت امرأة هلال بن
أمية الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن هلال بن
أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه ؟؟ قال لا ولكن لا يقربك ، قالت
إنه والله ما به حركة إلى شيء ، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى
يومه هذا ، ثم يكمل كعب حديثه فيقول : فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله صلى
الله عليه وسلم في امرأتك أن تخدمك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن
تخدمه ، فقلت والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما يدريني ما يقول رسول الله صلى الله
عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب ، فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا
خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا ، فلما صليت صلاة
الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا ، فبينما أنا جالس على الحال
التي انا عليها وقد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت ، سمعت صوت صارخ من
على جبل سلع ينادى بأعلى صوته :يا كعب بن مالك أبشر ... ، فخررت
ساجدا لله وعرفت أنه قد جاء الفرج بتوبة الله علينا ، فانطلق الناس يبشروننا ، أنا
وصاحبى ، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي
فكسوته إياهما ببشراه ، والله ما أملك غيرهما يومئذ ، واستعرت ثوبين فلبستهما
وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيتلقاني الناس فوجا فوجا يهنؤنني
بالتوبة ، يقولون هنيئا لك توبة الله عليك ، حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى
الله عليه وسلم جالس حوله الناس ، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى
صافحني وهنأنى ، فلما سلمت على رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، قال لى وهو يبرق وجهه من السرور :أبشر بخير يا كعب ، قلت :أمن
عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال : بل من عند الله ، وكان رسول الله صلى الله عليه
وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر ، فقد أنزل الله هذه الآيات ، قال
تعالى : {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ
خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ
عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ
ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}
[التوبة:118].
فلما
جلست بين يديه قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أخلع من مالي صدقة إلى الله رسوله ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ، فقلت يا
رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق ، فوالله لا أحدث إلا صدقا ما بقيت ، ثم قال
كعب بعدما تاب الله عليه : والله ما أعلم أحدا من المسلمين أبتلاه الله في صدق الحديث أحسن مما أبتلاني ، فوالله
ما أنعم الله علي من نعمة بعد نعمة الإسلام ، أعظم من صدقي لرسول الله صلى الله
عليه وسلم .... اللهم اجعلنا من الصادقين ...
اللهم
صلِّي وسلّم وبارك علي عبدك ورسولك محمدا، وارضَ اللّهمّ عن خلفائه الراشدين
الأئمّة المهديّين: أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، ومَن
تبِعهم بإحسانٍ إلي يومِ الدّين، واجعلنا معهم بمنّك وفضلك وجودك وإحسانك وكرمِك
يا أرحم الراحمين .
-
اللّهمّ أعزَّ الإسلام والمسلمين. وأذلَّ الشركَ والمشركين، ودمِّر أعداءَ الدين،
واجعَل هذا البلدَ آمنًا مطمئنًّا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين ... اللهم أرنا
الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه وصلي الله علي سيدنا
محمد وعلي اله وصحبه وسلم ...- أيّها المسلمون إن الله يأمركم بثلاثة وينهكم عن
ثلاثة .... {إِنَّ
اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَي وَيَنْهَي
عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }النحل90اذكروا
الله واقم الصلاة ...

إرسال تعليق